رأي مطول في "مناعة القطيع". بقلم الاستاذ عادل الحداد

ثمة مناعة جسدية هي الآن بصدد التكوّن عندنا يحلو للبعض أن يسميها "مناعة القطيع" ومن آلياتها "البقاء للأقوى". سيكون لنا، في مستقبل السنوات، قطيع من فصيل





ثمة مناعة جسدية هي الآن بصدد التكوّن عندنا يحلو للبعض أن يسميها "مناعة القطيع" ومن آلياتها "البقاء للأقوى". سيكون لنا، في مستقبل السنوات، قطيع من فصيلة قوية وممتازة حصنته الطبيعة لمواصلة العيش بعد صراع شاق مع هذا الوباء هلك فيه من فشل في الفوز بعضوية القطيع... قطيع تربى على مبدأين اثنين: التباعد الجسدي وارتداء الكمامة.

° المبدأ الأول هو "التباعد الجسدي" الذي يعمل وفق قاعدة "الآخر مصدر خطر هالك" ومصدر "موت مريع". وستنزاح هذه القاعدة عن مجالها الذي نشأت فيه لتشمل مختلف مجالات الحياة الإنسانية ليصبح "التباعد الجسدي" "تباعدا اجتماعيا" حقيقيا... ستترسب في القطيع الناجي مشاعر الارتياب من "الآخر" والتوجس منه وسيصبح "التباعد" فضيلة أخلاقية ترى في الآخر عدوا محتملا يجب اتقاء شره.  سيجري "تصعيد" التباعد ليكتسب "رمزية" تحدد بشكل كبير علاقات الناس بعضهم ببعض ويتحول، شيئا فشيئا، إلى "ثقافة اجتماعية" سائدة. تغذي هذا التباعد خلافاتنا السياسية التي نديرها بنشر مشاعر الأحقاد والبغضاء والسعي إلى إظهارها في الشكل الأكثر إساءة وإيذاء والتفاخر بها حتى صار العنف بأشكاله المختلفة ركنا قارا في حياتنا اليومية. من شأن هذا العنف، خاصة في صورته الفظيعة، أن يعزز هذه الخشية من "الآخر" ويرسخ عدوانيته المطلقة باعتبارها صفة تلازمه بلا انقطاع. أضحت فضيلتنا أن نرى في الآخر عدوا حتى يبرهن على خلاف ذلك ولن يستطيع. 


المبدأ الثاني هو "ارتداء الكمامة" اتقاء شر قد يأتينا من الآخرين ويهلكنا. كل وسائل الإعلام ونشرات الصحة الوقائية (والتحقت التشريعات) تشيد بهذا الإجراء وقيمته الصحية.. وبدأت الجموع تستوعب وجوهها بأنوفها وأفواهها  المكممة وتألق حضورها من وراء قناع. في حمل الكمامة اعتراف معكوس يقر بأننا "آخر خطير" بالنسبة إلى الآخرين. إنه اعتراف "بإنيتنا العدائية" المفترضة كما تتجلى في مشاعر الآخرين وانفعالاتهم وعيونهم. "فالأنا" حضور غير مرغوب وغياب مطلوب نظرا لما يمكن أن يصدر عنه من إيذاء عفوي أو قصدي يجب كتمه وتكميمه. تمثل الكمامة التجسيم المادي للقاعدة التي تقول "تعامل مع الآخرين كما لو كانوا مصابين وتعامل مع نفسك كما لو كنت مصابا" وهي قاعدة يجري، هذه الأيام، ترويجها بين الناس وامتداحها عندهم باعتبارها فضيلة الفضائل وجسر عبور القطيع إلى النجاة. هذه "العدائية المتبادلة" تشترط هذا "الإعتراف المتبادل" بالخطر الذي سرعان ما يتحول إلى "قلق" ويحولنا إلى "كائنات قلقة". تقول الوجوه المكممة للآخرين بلهجة آمرة: "اتقوا شري حتى لا أفتك بكم الآن وهنا". تبلغ هذه "العدائية" أوجها بوظيفة الكمامة الخفية والكامنة والمتمثلة في حجب الابتسامة وكل ما يصاحبها من انفعالات "الايروس" الشبقية.. يحوّل المخيال العام الأفواه والشفاه والألسن إلى مناطق "قذرة" بالشؤم الذي فيها ويترسب في الأعماق شعور حاد بلزوم كبتها وصدها عن "انفعالاتها الإيروسية" بما في ذلك "الكلام" و"الخطاب". يسهل عندئذ، للثقافة السائدة انطلاقا من وظيفتها التداولية، أن تحول "الأمر الشرطي" (اتقوا شري حتى لا أفتك بكم الآن وهنا) إلى "أمر قطعي" (اتقوني). نشهد بذلك حالة من "الاكتناز القهري" حيث تترسب انفعالاتنا الإيروسية الحركية والكلامية وتحتشد في أعماقنا حتى يفقد المرء القدرة على توظيفها وتفعيلها. وحين تنقشع الجائحة وينجو القطيع سنترك الكمامة / الشيء ونحتفظ بالكمامة رمزا بفاعليته الكبتية فتكتسب وظيفة سياسية جديدة بعد أفول وظيفتها الصحية على مهل. ستشهد الكمامة، هي الأخرى، انزياحا وظيفيا يجعل القطيع الناجي مكمما على الدوام فيكون سهل القيادة يسير على وقع رنين الجلالج وإرادة صناعها.   


يحتاج اكتمال مشهد الكمامة الأسطوري رافدين أساسيين: 

° الرافد الأول: نفوس هشة منكسرة تملكها الخوف من "الموت المريع" بدون مناعة نفسية تحميها من التخويف المعمم الذي يضمنه الإعلام النظامي والإعلام غير النظامي (الإشاعات مثلا) وتسنده الدراسات العلمية والبحوث المخبرية التي يجري انتقاؤها بعناية وتؤمنه الوسائط الحديثة المتمثلة في تكنولوجيات المعلومات والاتصال. ليس أخطر من الخوف على نفوس الناس وليس أجدى منه لترويضهم وتدجينهم. إنه المدخل الأساس الذي يصنع القطيع والذي انتبهت إليه أساطير الأولين ودياناتهم وتألقت في استعماله. إن النفوس المنكسرة هي تلك النفوس التي خربها الخوف وفتك بها القلق وهيأها لعضوية القطيع طلبا لحماية واهمة، وبقدر إذلالها برسملة إخفاقاتها رسملة مؤلمة يزداد استعدادها المكتسب للخضوع والخنوع.   

   

   ° الرافد الثاني: عقول طيعة يسهل تطويعها لتتقبل الأمر الواقع كما لو كان قدرا... عقول يجري نمذجتها باعتماد "استراتيجية إهمال" لكل موجبات الحذر والفطنة والتيقظ تنفر من الاجتهاد في النظر وتميل إلى الاقتصاد في الجهد وتحبذ التصديق على التفكير .. نحتاج لصناعة القطيع نشر السذاجة والغباء وتعميمهما وإنشاء مؤسسات تضطلع بذلك.. ومن مقتضيات النجاح في ذلك إجلال التفاهة وأبطالها وإذلال المفكرين والمبدعين ومحاصرتهم وتعمير الفضاءات، كل الفضاءات، بالحوارات حول التوافه وترذيل المشهد بقذارة الخطاب. للجهل جاذبية مريحة لدى الكسالى الذين يغنيهم يسر الاتباع عن عسر الإبداع.  


وإذن، سيكون القطيع الناجي منهكا بالتمام وليس جديرا بالنجاة.. وهو إنهاك سينال من الإنسانية جمعاء لأن "صناعة القطيع" صناعة معولمة تستهدف مختلف الشعوب والأمم والدول لخدمة متحكمين جدد أو متحكمين قدماء وقد تجددوا... لم تعد السيطرة فضاء ضيقا محدودا بالجغرافيا التقليدية ولم يعد النفوذ هيمنة يشرعها تاريخ قديم.  ومع ذلك، بيدنا أن نمنع عن الإنسان هذا المصير وعلينا أن نقاتل ببسالة هذين الرافدين ونلتمس للنفوس أسباب الشجاعة حتى تكون منيعة في وجه الخوف والقلق وأن نلتمس للعقول أسباب التيقظ والحذر حتى تكون منيعة في وجه الجهل والغباء.  لن ينجح هذا القتال إلا بتعاضد الجهود واتحاد الإرادات وتجمبع شتات الفاعلين حتى لا يكون البقاء للأقوى ويكون جدارة إنسانية وكرامة للجميع بأجسامهم السليمة ونفوس السعيدة وعقولهم النيرة يصنعون شروطا إنسانية لحياتهم.

التعليقات

الاسم

أخبار الطقس,5,اخبار جهوية,1,اخبار عالمية,123,اخبار وطنية,427,ثقافة,54,رياضة,32,صحة,198,مال و اعمال,51,متابعات,253,مجتمع,249,
rtl
item
البوابة الإخبارية التونسية : رأي مطول في "مناعة القطيع". بقلم الاستاذ عادل الحداد
رأي مطول في "مناعة القطيع". بقلم الاستاذ عادل الحداد
ثمة مناعة جسدية هي الآن بصدد التكوّن عندنا يحلو للبعض أن يسميها "مناعة القطيع" ومن آلياتها "البقاء للأقوى". سيكون لنا، في مستقبل السنوات، قطيع من فصيل
https://1.bp.blogspot.com/-oWGRwkBnXF8/X4I2Gsu7VdI/AAAAAAAAB_0/N93bdb0heYUWfwf7fVQ7MOXdsJ5NC4QvwCLcBGAsYHQ/w400-h210/202007141048154815.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-oWGRwkBnXF8/X4I2Gsu7VdI/AAAAAAAAB_0/N93bdb0heYUWfwf7fVQ7MOXdsJ5NC4QvwCLcBGAsYHQ/s72-w400-c-h210/202007141048154815.jpg
البوابة الإخبارية التونسية
https://www.elbaweba.com/2020/10/blog-post_16.html
https://www.elbaweba.com/
https://www.elbaweba.com/
https://www.elbaweba.com/2020/10/blog-post_16.html
true
8895115353301164337
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم أيجاد اي نشاركات عرض الكل أقراء المزيد الرد الغاء الرد مسح بواسطة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل موصي به لك التسميات أرشيق المدونة البحث جميع المشاركات لم يتم العثور على اي مشاركات الرجوع الى الصفحة الرئيسية الأحد الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت شمس Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy