الشرعية المفقودة والسؤال المطروح ....: حول التقرير الصادر عن دائرة المحاسبات و الكشف عن حجم الخروقات التي حصلت في الانتخابات الرئاسية

يضعنا التقرير الصادر عن دائرة المحاسبات أمام وضعية سياسية على غاية من الخطورة. لقد كشف التقرير حجم الخروقات التي حصلت في الانتخابات الرئاسية

 


الشرعية المفقودة والسؤال المطروح : بقلم الاستاذ عادل الحداد

يضعنا التقرير الصادر عن دائرة المحاسبات أمام وضعية سياسية على غاية من الخطورة. لقد كشف التقرير حجم الخروقات التي حصلت في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة والشبهات التي، إذا صحت، يمكن أن ترقى إلى مستوى الجريمة لارتباطها بتمويلات أجنبية مشبوهة أثرت بقوة في الرأي العام الوطني... تعلقت هذه الشبهات / الخروقات بأبرز المتنافسين على الرئاسة كما تعلقت بأبرز الأحزاب الفائزة في التشريعية والتي تشكل الآن كتلا هامة بمجلس نواب الشعب. 

ومعنى هذا، إذا صح، أن هذا التقرير نزع عن مجلس النواب شرعيته نظرا لفساد العملية الانتخابية كما بيّن وهن "الديموقراطية" التي نتغنى بها والتي اعتبرناها مكسبا يطوي زيف "ديمقراطية الاستبداد" السابقة.  نكتشف، مع هذا التقرير، أننا استبدلنا زيفا بزيف وفي الحالتين زورنا إرادة الناخب وإرادة المجتمع. 

إذا صح هذا، ألا يجوز القول بلا شرعية كل القوانين الصادرة عن مجلس نواب الشعب والإقرار ببطلانها؟ فالأمر، على ما أعتقد، ليس بالبساطة التي يتصورها البعض... فاذا صح ما ورد في التقرير فهذا يعني أن الحكومة التي صادق عليها المجلس فاقدة أيضا للشرعية وأنها تمارس الحكم وتتصرف في مدخرات البلاد وتعقد الاتفاقيات الوطنية والدولية وتسير الشأن العام بغير حق. 

لقد ورط هذا التقرير الجميع. 

كيف سيجري التعامل معه ؟ هذا هو السؤال الخطير المطروح الآن. 

 ° طبعا، ستتوجه القوى السياسية المستفيدة من الانتخابات إلى التشكيك فيه والتقليل من شأن قيمته وستعتبر "الجرائم" المشار إليها مجرد "تجاوزات" فردية لا تمس من شرعية الرئيس ومن شرعية المجلس. ستعتبر التقرير "مناورة" وسترى في الوقائع بعض مغالاة كيدية وفي "الحجج" مجرد قرائن ضعيفة السند وأن الأمر لا يتعدى "لغط المناوئين" جرحى الانتخابات. وستعمل، هذه القوى، جاهدة على تحويل الرأي العام وستشغله كالعادة بالحديث عن "الجائحة وعدد المصابين والموتى والفقر والبؤس والبطالة والديون والفساد والإصلاحات الكبرى والحوار الاقتصادي الاجتماعي والحوار الليبي الليبي ومقاومة الإرهاب والتهريب والاقتصاد الموازي والإسلام في خطر ونصرة الرسول والوحدة الوطنية وقانون المالية والميزانية التكميلية والتزام الحكومة بتعهداتها وبحثها عن موارد مالية إضافية والتفاوض مع تنسيقيات تسكير الفانات والصراعات بين الرئاسات والفصل 20 ومؤتمر الاتحاد ومؤتمر النهضة ومصير الغنوشي ومبادرة حمادي الجبالي وصواريخ الرئيس الرابضة في منصاتها وخطاباته النارية والمشاكسات بين عبير موسي وسيف الدين مخلوف والشغب في مجلس الشعب والخوصصة والتنمية الجهوية والموقف من قضية هلال الشابة وموعد التلقيح ضد كورونا والذي سيستفيد منه وأخبار الفنانين والفنانات والتجارة بالأعضاء ومعالجة النفايات" وغيرها من القضايا الحارقة أو التافهة التي أضحت كلها قضايا كلامية وظواهر صوتية؛

° طبعا، ستعمل القوى السياسية المنهزمة في الانتخابات على الاستفادة من هذا التقرير للطعن في شرعية هذه الانتخابات واعتبار ما ورد في التقرير من "تجاوزات" و"خروقات" يرقى إلى مرتبة "الجريمة" التي تجعل من نتائج الانتخابات السابقة نتائج باطلة. وقد أصدرت تلك القوى بيانا مشتركا يتبنى ما ورد في التقرير ويطالب بتحرك النيابة العمومية ويهدد بتقديم قضية في هذا الغرض. ستعمد هذه القوى، بإمكانياتها المتواضعة، إلى خرق الحصار الإعلامي المضروب عليها قصد شحذ القوى الديمقراطية والمنظمات الوطنية ومكونات المجتمع المدني والرأي العام لاسترداد "شرعية مفقودة" وستواصل الحوار مع صدى صراخها؛  

° طبعا، ستعمل اللجنة العليا للانتخابات على تبرير صمتها على تلك "الخروقات البسيطة" التي لا تشكك في مصداقية الانتخابات برمتها وقد تعمد، بمؤازرة المنتصرين، إلى إصدار بيان أو عقد ندوة صحفية لتأكيد نزاهتها وافتقارها للآليات وقصور القوانين وغموض التراتيب؛

° طبعا، سينتصب "فقهاء القانون" للنظر في القيمة القانونية لتقرير دائرة المحاسبات والاختلاف حول استقلالية القضاء وحدود إنفاذ أحكامه وحول دور القطب القضائي المالي والقضاء العدلي وحول التفاوت بين الزمن القضائي والزمن الانتخابي ومراجعة القانون الانتخابي ومنظومة العقوبات...  ويتواصل الجدل دون حسم وسيترك للجمهور حق الرفض والقبول؛ 

° طبعا، ستواصل "النخبة الموقرة" ترفعها على هذا "الجدل العقيم" لتثبت أنها اختارت الموقف الأسلم بوقوفها على الربوة بعيدا عن فساد السياسة وفساد السياسيين وخساسة الأحزاب والمنظمات والجمعيات وستواصل "شيطنة" الوضع للصمت على ما يجري فيه وستقدم "تخاذلها" (حتى لا أقول شيئا آخر) على أنه حكمة ما بعدها حكمة؛

° طبعا، سيلوك الإعلام وخبراؤه الأفذاذ ما ورد في التقرير ويفصلون فيه تفصيلا يتعلق بدقائق الأمور للتغطية على كبائرها حتى يمج الجمهور الخلاف بين "الرأي" والرأي المعاكس" ويشيح بوجهه عن الوجوه التي ألفها وتعودها وكرهها، وقد تتكفل بعض برامج "الفكاهة" بالسخرية من هذا الجدل العقيم ومواصلة الضحك على الذقون؛ 

° طبعا، سيواصل العدد الأكبر من الناس لامبلاتهم بالأمر وسيواصلون معاناتهم مع اليومي في جزئياته..  مصارعة الخوف من الإصابة و الموت والكد من أجل العيش واللهث وراء تسديد الحاجيات والركض وراء الحافلات ومخاتلة مراقبي الكمامات والتحيل على الظروف البائسة لتوفير مصاريف ابنائهم من العاطلين ومصاريف أبنائهم في المدرسة والمعهد والجامعة... 

° طبعا، ستنشط المخابرات لتراقب الحيثيات وتكتب تقاريرها وترفعها للجهات الأجنبية تستعملها للمقايضة والبيع والشراء وكسب المغانم بمزيد من الضغط واستثمار الظرف باتجاه مزيد التحكم في الوضع وترتيب الملفات وضبط الأولويات؛ 


° طبعا، في ظل كل هذا وبحكم غياب قوة ضاغطة حقيقية قادرة على معاضدة الحق ومقاومة الباطل، سنضطر إلى تحمل كل هذا في انتظار أن يُطوى الملف ويُقبر وفي انتظار انتخابات 2024 وتقرير دائرة المحاسبات سنة 2026.

التعليقات

الاسم

أخبار الطقس,5,اخبار جهوية,1,اخبار عالمية,125,اخبار وطنية,437,ثقافة,56,رياضة,32,صحة,203,مال و اعمال,52,متابعات,255,مجتمع,252,
rtl
item
البوابة الإخبارية التونسية : الشرعية المفقودة والسؤال المطروح ....: حول التقرير الصادر عن دائرة المحاسبات و الكشف عن حجم الخروقات التي حصلت في الانتخابات الرئاسية
الشرعية المفقودة والسؤال المطروح ....: حول التقرير الصادر عن دائرة المحاسبات و الكشف عن حجم الخروقات التي حصلت في الانتخابات الرئاسية
يضعنا التقرير الصادر عن دائرة المحاسبات أمام وضعية سياسية على غاية من الخطورة. لقد كشف التقرير حجم الخروقات التي حصلت في الانتخابات الرئاسية
https://1.bp.blogspot.com/-xWrWbjVxpcQ/X6wAMN2efjI/AAAAAAAACfs/r0snfrEPQfk66P8n15IIkteVUGQUYwU2ACLcBGAsYHQ/s320/inCollage_20201111_161318295.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-xWrWbjVxpcQ/X6wAMN2efjI/AAAAAAAACfs/r0snfrEPQfk66P8n15IIkteVUGQUYwU2ACLcBGAsYHQ/s72-c/inCollage_20201111_161318295.jpg
البوابة الإخبارية التونسية
https://www.elbaweba.com/2020/11/blog-post_29.html
https://www.elbaweba.com/
https://www.elbaweba.com/
https://www.elbaweba.com/2020/11/blog-post_29.html
true
8895115353301164337
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم أيجاد اي نشاركات عرض الكل أقراء المزيد الرد الغاء الرد مسح بواسطة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل موصي به لك التسميات أرشيق المدونة البحث جميع المشاركات لم يتم العثور على اي مشاركات الرجوع الى الصفحة الرئيسية الأحد الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت شمس Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy