بورقيبة و البايات أو الأسد والضباع (الجزء الأول)

كان همُّ البايات الحسينيين إذن البقاء في السلطة حتى وإن كانت شكلية والعرش خاوٍ لأنّ الحكم الفعلي كان بيد فرنسا، ممثلا في الإقامة العامة ومسؤوليها.

 

بورقيبة و البايات أو الأسد والضباع

(الجزء الأول)

بورقيبة و البايات أو الأسد والضباع  (الجزء الأول)

أولا في شرعية الحكم الحسيني : عائلة حسين بن علي منذ توليها حكم البلاد (1705) قام حكمها على العنف أي ضمان الغلبة بحد السيف حتى وإن وجدت من المماليك ومن الحاشية والمقربين من الفقهاء والعلماء والأعيان ودراويش الطرق من يسندها، فلا شرعية لها غير شرعية القوة وأدواتها العساكر والقياد والخلفاوات والمشائخ والقضاة... والبلاد وأهلها لا مغزى لوجودهم إلا بقدر ما يوفّرونه للعائلة الحاكمة من خيرات تبتز عن طريق الضرائب (حتى العظم) وحتى النهب والتتريك (افتكاك الأرزاق دون وجه حق) وحتى ما يعد من مآثر البايات وهنا خاصة عهد الأمان (1857) ودستور 1861 ليس فقط كان من إملاءات القوى الاستعمارية (فرنسا وبريطانيا خاصة) ولصالحهما أساسا ولصالح رعاياهم وكبار مماليك الدولة بل أنهما سرعان ما عُطِّلا بعد انتفاضة 1864 وتمادى كبار البايات في استبدادهم المتوارث ( ).

وبانتصاب الحماية الفرنسية سنة 1881 على البلاد تحول البايات إلى أداة طيّعة بيد فرنسا تضفي من خلالهم شرعية على وجودها وتوظّفهم مع إدارتهم الموروثة في خدمة مصالحها وضرب القوى الوطنية ( ). فمحمد الصادق باي (1859-1882) لم يخيّر فقط العرش على وطنه (عكس أحمد باي مثلا ، باي قسنطينة ) عندما أمضى معاهدة قصر السعيد بل حاربت عساكره (الذين بقوا معه) في صف جيوش الاحتلال وهنّأ هذا الباي القنصل الفرنسي روسطن على احتلال صفاقس كذا باي الأمحال ( ولي العهد) علي باي الذي كان يعتز بمشاركته في انتصار فرنسا على الثوار التونسيين إلى درجة ضرب ميدالية تخلد الذكرى(ذكرى احتلال صفاقس و هزيمة المقاومين ) عندما صعد إلى العرش (1882) ( ).

وكذا كان تصرفهم طيلة الفترة الاستعمارية أوفياء لفرنسا – إلا مواقف معدودة لإثنين، المنصف والأمين سوف نعود إليها – إما مساندين فرنسا في قمعها أو صامتين على جرائمها شأن ما جدّ في انتفاضة الفراشيش (1906) أو تمرّد سكان العاصمة في أحداث الجـلاز والترامـواي (1911-1912) أو ثورة الجنوب (الودارنة) (1915-1916) أو عند القضاء على أبطال المقاومة الفرادى شأن محمد الدغباجي والبشير بن سديرة ومحمد بن مذكور أو عند ثورة المرازيڤ (1943-1944) وتمرّد فلاڤة زرمدين ... أو عند المعركة الحاسمة في الخمسينات حيث تميّز البايات طيلة الفترة إما بالصمت أو الوقوف الواضح إلى جانب المستعمِر والتورط معه بإمضاء إجراءات العقاب ،التي تُمرَّر عبرهم، من افتكاك الأرزاق إلى منع الحريات والنفي خارج الوطن وتجنيد أعوان الإدارة المحلية من ڤياد وخلفاوات ومشائخ لدعم الجهاز الاستعماري بالاستخبار والتتبع ضد الوطنيين.

ولا غرْو في هذا الموقف الموالي لفرنسا على حساب الوطن وأهله من بايات تونس، فهي الضامنة لوجودهم (حسب معاهدة باردو واتفاقيات المرسى 1883) والملتزمة بالدفاع عن عرشهم وتوفير الرزق لهم. وفرنسا كذلك هي التي تضعهم على "العرش" (بداية من 1906) حيث يصبح باي الأمحال، باي كرسي إلا عندما يمْثل أمام المقيم العام الفرنسي وينصّبه بالعبارة الطقسية : "باسم فرنسا أمنح لسموّكم التقليد الرسمي" ثم تأتي مبايعة أعضاء المجلس الشرعي وبقية الخاصة والعامة ( ) ويجدد الباي الجديد العهد بالوفاء لفرنسا حيث يخاطب المقيمَ العام بنفس العبارات تقريبا لأسلافه ولم يشذ واحد منهم بمن فيهم المنصف باي الذي خاطب المقيم العام، الأميرال أستفا (Esteva)، عند جلوسه على العرش في 19 جوان 1942 قائلا : "إن الحكومة الفرنسية تعرف منذ أمد طويل إعجابي بالأمة الحامية وأرجوك اليوم أن تبلغها مجددا تعلقي الثابت بفرنسا. كما ألحّ عليكم أن تبلغوها عزمي المؤكد وإرادتي الراسخة أن أعزز أكثر تحت حكمي بتعاوني الصادق والوفي العلاقات الراسخة التي تجمع للأبد بلدينا وأن أضمن في المستقبل شأن أسلافي في الماضي السيادة الكاملة لفرنسا والعائلة الحسينية على تونس في كنف التفاهم" ( ). مع الملاحظ أن هذا النص أورده المتبنّون آنذاك لقضية المنصف باي كبرهان على أن المنصف باي لم يخنْ فرنسا ليستحق عزلها وهم محقّون في ذلك !

وهناك فكرة سارية عند المهتمين بتاريخ تونس وحتى من بين المختصين تتعلق بالمنصف باي وبأبيه محمد الناصر (1906-1922) ترفعهما إلى درجة الوطنية وحتى الإصلاح يتوجب تنسيبها. أولا في ما يخص محمد الناصر باي ما يُشاع عليه أنه كان ساند مطالب الحزب الدستوري عند استقباله وفد الأربعين في 18 جوان 1920 ثم أوشك أن يضحّي بعرشه في أفريل 1922 خدمة للوطن تبيّن بالدراسة الموثّقة أن هذا الباي كان مزدوج الموقف وعمليا يساند فرنسا ولا يؤمن بدستور "ولا هم يحزنون !" ( ).

أما في ما يخص المنصف باي فإن ما أبداه مدّة حكمه القصيرة بين جوان 1942 وماي 1943 من تبني لبعض المطالب الوطنية وما كرسه من محاولة تفعيل للسيادة التونسية ومصالحة العائلة الحاكمة مع الشعب هي حقائق لا مراء فيها وهو سلوك سهّله وضع فرنسا المحتلة آنذاك و تأثير بعض الوطنيين الذين كانوا حوله. ثم أنّ الرجل لم يتمرّد على فرنسا ولم يخرج عن طاعتها وحتى عندما "رفع صوته" في وجه الإداريين الفرنسيين في حادثة باردو (في 12 أكتوبر 1942 طالب الباي بتمثيل أكبر للتونسيين في الإدارة فجدّت مناوشة كلامية بينه وبين أستفا ) ، سرعان ما تراجع في تصلّبه وتصالح مع المقيم العام عندما عرف أن هذا الأخير" يحفر له" لدى رئيس الدولة الفرنسية المارشال بيتان(Pétain). لكنّ عزله في 13 ماي 1943 بتعلة تعامله مع المحور، وفي الحقيقة لخروجه على سيرة أسلافه بربط الصلة بالحركة الوطنية، صنع منه "بطلا وطنيا" والشعوب في فترات الأزمات وخاصة ذات الثقافة السياسية ما قبل الحداثيّة في حاجة لأساطير تتماهى معها وتُسقط عليها آمالها. فكيف نفسر إذن هذا التراجع في موقف المنصف باي الذي قال "لا" لأمر التنحي في وجه الجنرال جوان (Juin) (في 13 ماي 1940) ويقبل في 6 جويلية 1943 بإمضاء وثيقة يتنازل فيها على العرش ويعلن فيها عن تخليه الطّوعي لسلفه الأمين باي ويضيف شهادة وفاء للجنة الفرنسية للتحرير الوطني(CFLN بزعامة شارل دي قول) ثم يُنقل ليسكن نزل كنفال " Hôtel de Canaval" بمدينة بو (Pau) معززا مكرّما بمنحة أولية قدرها 150 ألف فرنك شهريا ( ). ثم لماذا عندما دبّر له الوطنيون خطة للهرب من فرنسا نحو مصر في 1947 على غرار تهريب البطل المغربي محمد بن عبد الكريم الخطّابي، تراجع المنصف باي في آخر لحظة وأفسد المشروع ( ) ألأسباب صحّية أو كانت تعوزه إرادة المقاومة الفعلية ؟ 

أما الباي الحسيني الأخير الأمين باي (1943-1957) الذي لم يعرف عنه موقفا وطنيا حتى 1950 بل بالعكس ( ) تبنى فعلا المطالب الوطنية بين 1950 وأواخر 1952 ربما على قناعة لكن أيضا لأسباب أخرى جلية منها سعيه لاكتساب مشروعيّة هو فاقدها منذ توليه العرش بتنحية سلفه المنصف ولتأثير ابنه الأمير الشاذلي الذي هو أيضا له حساباته في كسب الشق الوطني على حساب باي الأمحال "الشرعي" آنذاك عز الدين باي (لأنّه كان يطمح في تغيير نظام الوراثة في العائلة الحسينيّة من الأكبر في العائلة إلى الإبن الأكبر للملك الحاكم كما وعدته قيادة الحزب الدستوري مقابل الوقوف إلى جانب الحركة الوطنيّة ) لكن أمام تصلّب فرنسا والوقوف أمام ساعة الحقيقة : أما الصمود خدمة للوطن وربما العزل (وهذا ما فعله محمد بن يوسف – محمد الخامس بالمغرب الأقصى) وإما التخاذل والحفاظ على العرش وهو ما اختاره الأمين باي، شأنه شأن سلفه محمد الصادق باي ، أول باي في العهد الاستعماري ( ).

كان همُّ البايات الحسينيين إذن البقاء في السلطة حتى وإن كانت شكلية والعرش خاوٍ لأنّ الحكم الفعلي كان بيد فرنسا، ممثلا في الإقامة العامة ومسؤوليها. 

الجزء الثاني يتناول الأسد بورقيبة

عميره عليّه الصغيّر ، من كتابه "الحاكم بأمره بورقيبة الأول "

عميره عليّه الصغيّر


التعليقات

الاسم

أخبار الطقس,5,اخبار جهوية,1,اخبار عالمية,123,اخبار وطنية,430,ثقافة,54,رياضة,32,صحة,201,مال و اعمال,51,متابعات,254,مجتمع,250,
rtl
item
البوابة الإخبارية التونسية : بورقيبة و البايات أو الأسد والضباع (الجزء الأول)
بورقيبة و البايات أو الأسد والضباع (الجزء الأول)
كان همُّ البايات الحسينيين إذن البقاء في السلطة حتى وإن كانت شكلية والعرش خاوٍ لأنّ الحكم الفعلي كان بيد فرنسا، ممثلا في الإقامة العامة ومسؤوليها.
https://1.bp.blogspot.com/-A1KS82uVIZE/YENoWVtqAoI/AAAAAAAAEWg/iuh1XPn1-ycQPYfPYhQITnfA7yN1WzpeQCLcBGAsYHQ/w320-h240/inCollage_20210306_123037003.jpg
https://1.bp.blogspot.com/-A1KS82uVIZE/YENoWVtqAoI/AAAAAAAAEWg/iuh1XPn1-ycQPYfPYhQITnfA7yN1WzpeQCLcBGAsYHQ/s72-w320-c-h240/inCollage_20210306_123037003.jpg
البوابة الإخبارية التونسية
https://www.elbaweba.com/2021/03/blog-post_6.html
https://www.elbaweba.com/
https://www.elbaweba.com/
https://www.elbaweba.com/2021/03/blog-post_6.html
true
8895115353301164337
UTF-8
تحميل جميع المشاركات لم يتم أيجاد اي نشاركات عرض الكل أقراء المزيد الرد الغاء الرد مسح بواسطة الرئيسية صفحات المشاركات عرض الكل موصي به لك التسميات أرشيق المدونة البحث جميع المشاركات لم يتم العثور على اي مشاركات الرجوع الى الصفحة الرئيسية الأحد الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت شمس Mon Tue Wed Thu Fri Sat January February March April May June July August September October November December Jan Feb Mar Apr May Jun Jul Aug Sep Oct Nov Dec just now 1 minute ago $$1$$ minutes ago 1 hour ago $$1$$ hours ago Yesterday $$1$$ days ago $$1$$ weeks ago more than 5 weeks ago Followers Follow THIS CONTENT IS PREMIUM Please share to unlock Copy All Code Select All Code All codes were copied to your clipboard Can not copy the codes / texts, please press [CTRL]+[C] (or CMD+C with Mac) to copy